السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

251

مفاتيح الأصول

وأجيب بأن هذا غير النسخ لأن الصدقة ثابتة بسبب وزالت وكلما كان كذلك كان منسوخا ومنها ما تمسّك به في المعارج والتهذيب والنهاية والمبادي والمنية والزبدة وغاية المأمول من أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ثم نسخ ذلك بقوله تعالى الآن خفف اللَّه عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن مائة صابرة يغلبوا مائتين وأورد عليه أبو مسلم على ما حكاه في المنية بأنه يمكن أن يقال أن حكمه باق إذ لو كانوا باطلا والمائتان في غاية الجبن والضعف بحيث يعلم قصورهم عن مقاومة العشرين وجب الثبات فيكون تخصيصا وأجاب في المنية عن الإيراد فقال والجواب بعد تسليمه أن خصوصيّة العدد زال بالكليّة لتحقق الحكم في غيره كما لو فرض زيادة الضعفاء على المائتين كما ذكر ومنها ما تمسّك به في النهاية والتهذيب والمبادي والمنية والزبدة وغاية المأمول من أنه تعالى أمر بالتوجّه إلى بيت المقدّس ثم نسخ ذلك بإيجاب التوجّه إلى الكعبة بقوله تعالى فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وأورد عليه بوجهين أحدهما ما ذكره في المنية فقال وفيه نظر لأن التوجّه إلى بيت المقدس لم يكن واجبا بالقرآن إذ ليس فيه ما يدلّ عليه بل بالسّنة وحينئذ لا يكون إيجاب التوجّه إلى المسجد الحرام بالآية المذكورة دالا على كون بعض القرآن منسوخا بل على كونه ناسخا انتهى لا يقال هذا مدفوع بما ذكره في النهاية فإنه قال لنا قوله تعالى سيقول السّفهاء من النّاس ما ولَّيهم عن قبلتهم الَّتي كانوا عليها ثم أزالهم عنها بقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام لأنا نقول هذا لا يصلح للدفع كما لا يخفى وثانيهما ما ذكره أبو مسلم على ما حكاه في التهذيب والنهاية والمنية من أن حكم التوجه إلى بيت المقدس لم يزل بالكلية لوجوب التوجه إليها عند الاشتباه أو العذر فهو تخصيص لا نسخ وأجاب عنه في الأول والثالث وغاية المأمول والإحكام بأن التوجه إلى بيت المقدس حال الاشتباه ليس مقصودا لذاته بل لتحقق الصّلاة إلى الكعبة فهو مساو لغيره من الجهات وما كان مختصا ببيت المقدس عن غيره من الجهات زال بالكليّة ومنها ما تمسّك به في النهاية فقال لنا قوله تعالى ما ننسخ من آية إلى آخره ثم قال قال أجاب أبو مسلم بأن النسخ الإزالة والمراد هنا الإزالة من اللَّوح المحفوظ ثم قال واعترض بأن الإزالة من اللَّوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن وهذا نسخ ببعضه ومنها ما تمسّك به في النهاية أيضا فقال لنا قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية واللَّه أعلم بما ينزل قالوا إنّما أنت مفتر والتبديل يشمل على رفع وعلى إثبات والرفع نسخ إما للتلاوة أو للحكم أو لهما معا لا يقال يجوز أن يريد أنه أنزل إحدى الآيتين بدلا عن الأخرى فيكون النازلة بدلا عما ينزل لأنا نقول جعل المعدوم مبدّلا غير جائز وللقول الثاني ما حكاه جماعة عن أبي مسلم من قوله تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فإن الناسخ باطل وأجاب عنه في المعارج فقال والجواب لا نسلم أن النسخ باطل ولا يلزم من كونه إبطالا كونه باطلا سلمنا جدّا لكن لم لا يجوز أن يكون ما بين يديه إشارة إلى كتب الأنبياء المتقدمة وخلفه إشارة إلى ما يكون بعد النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أو بعد كمال نزوله وهذا الاحتمال كاف في إبطال الاحتجاج انتهى وفي التهذيب والنهاية والمبادي والمنية الجواب أن المراد بالآية واللَّه أعلم أنه لم يتقدمه من الكتب الإلهية ما يقتضي بطلانه ولا يأتيه من بعده منها ما يبطله لا ما توهمه أبو مسلم وفي المعراج وأجيب بأن الضمير إلى مجموع القرآن فلا يجوز أن يكون كلَّه باطلا وحينئذ لا يلزم من ذلك عدم جواز نسخ البعض مفتاح قد ذكروا للنسخ والناسخ والمنسوخ شرائط منها أن يكون النسخ رفعا لحكم شرعي وأن يكون الناسخ والمنسوخ شرعيين وقد صرح بهذا الشرط في الذريعة والعدة والمعارج والتهذيب والمنية والإحكام ويستفاد من تعريف النسخ المذكور في النهاية والمبادي والمعالم والزبدة والمختصر وشرحه والمعراج والمحكي عن الفقهاء والأصوليين وبالجملة الظاهر أنه مما لا خلاف فيه وإن كان بعض تعاريف النسخ ربما يدلّ على خلاف ذلك ولكن الظاهر أنه من قصور العبارة لا من المخالفة في المذهب سلمناها ولكنها شاذة في الغاية ولا يبعد معه دعوى الاتفاق ولعله لذا قال في الإحكام من شروط النسخ المتفق عليها أن يكون المنسوخ شرعيا وبالجملة لا إشكال في ذلك ويتفرع عليه أمور منها أن المرتفع إذا كان حكما عقليا لا يكون منسوخا ولا يكون هناك نسخ وإن كان الرّافع خطابا وحكما شرعيا فلا يتحقق النسخ برفع البراءة والإباحة الأصليتين بخطاب شرعي وقد صرّح بذلك في الذريعة والعدة والمعارج والنهاية والتهذيب والمبادي والمنية والمعراج والإحكام وقد ادعى فيه الإجماع على ذلك وفي الأوّلين لأنه لا يقال تحريم الخمر نسخ إباحتها لما كانت إباحتها معلومة عقلا ومنها أن الرافع للحكم الشّرعي إذا كان أمرا عقليا كما في رفع الأحكام التكليفية الشرعية بعدم التمكن منها وبالعجز منها بموت أو جنون أو نحوهما لا يكون ناسخا ولا يكون هناك نسخ أيضا وقد صرّح بذلك في الذّريعة والعدة والتهذيب والنهاية والمنية والمختصر وشرحه والإحكام وقد ادعى فيه الإجماع على ذلك وفي الأولين لأنه لا يقال إن الموت والجنون والعجز نسخ عن المكلف ما كان واجبا عليه لما كان زوال ذلك من المكلَّف معلوما عقلا وزاد في ثانيهما فقال وهذا الذي ذكرناه إنما يمنع من إطلاق عبارة النسخ عليه فحاصل فيه على كل حال ألا ترى أنه لا فرق في سقوط التكليف بين زوال العقل وحصول الموت والعجز وبين ورود النّهي عنه